خاطرات
أتوه في صفحات موقع اكتشفته بالصدفة، إلى أن يقطع تركيزي صوت الأذان، فأنتهز الفرصة لأريح عيني من التحديق في الشاشة.
أنظر خارج النافذة، فأرى بائع أسطوانات الغاز المتجول يمر سريعا عبر إطارها، يمخرُ الهواءُ عُبابَ جِلبابه، يسبقه و يليه وَقْعُ خبطات مفتاحه على أسطوانات الغاز المربوطة على جانبي دراجته النارية، و التي بدا لي أنه يوقتها لتتزامن مع لحظات الصمت بين مقاطع الأذان، إلى أن تأكدت أنه لا يبالي به أساسا و أن ما لاحظته لا يعدو كونه صدفة.
بالأمس في احتفال مئوية هليوبوليس، ضاحيتي الجميلة التي لم أعد أسكنها، كتم مهندس الصوت فجأة كل أجهزته مخرسا موسيقى فتحي سلامة في منتصفها دون سابق إنذار أو تنسيق مع الفرقة، ليعُمّ صمت لبضع ثوان قطعها انطلاق الأذان من مكبر صوت فوق سطح مبنى هليوبولسيّ عتيق لو كنت أسكنه لما سمحت بوضع ميكروفون عليه، بصوت يصيح "حيّا على الصلاة" مادا الياء و مشوها الألفاظ بحيث لم تكن للتعرف عليها لو أنك لا تعرفها أصلا.
أدرت النظر حولي في الشارع أتأمل الجمهورَ الأنيقُ معظمه، و الذي بدا أن سكان هليوبوليس من المسيحيين يشكلون غالبيته، علّي ألتقط إشارة على تذمر أو استنكار من قطع المزاج، فلم أجد.
في المساء، عندما حان وقت توجيه الشكر و الشكليات المعروفة؛ الجمهور الذي كان قد وصل عدده لذروته حيّا عمر خيرت و أعضاء فرقته بحماس، ثم رئيس الحي بفتور تشوبه خيبة الأمل و كأنما تنبهوا مرة أخرى إلى أن العالم المثالي الذي كانوا يعيشون فيه الساعات القليلة الماضية هو مجرد حلم أفاقهم منه ذِكر وحوش الأحلام من مسؤولين و الحكومة. عند ذكر الهانم تحول الفتور إلى صيحات استياء صريح، مصدرها الشباب، لم تدم سوى ثوان.
الحلم القصير الذي استمر لساعات كان محاولة لاستعادة حلم عمره مئة عام، بخلق واحة مجتمع جميل في الصحراء.





