استقلال القضاء حق كل المصريين
هذه الصفحة تعتمد على صفحات الطرز المتراصة (CSS)
06 01 2005

عَبَدَةُ الحَرْفِ

في عدد أهرام الجمعة الماضية مقال عنوانه العالم الإسلامي بين عام مضى و أخر جديد، تناول تعليفات على أخبارا قصيرة شملت قضية الحجاب في فرنسا و رُهاب الإسلام الذي يجتاح الغرب منذ 11\9\2001، و أخبار أخرى، ما لفت نظري منها:

شيخ الأزهر الشريف أعلن رفضه لمبدأ استحلال أموال الزكاة التي يتم جمعها في بناء ورش و مصانع لتشغيل الفقراء لتعارضها مع الهدف من تشريع الزكاة، و لكون ذلك فيه تأخير في الاستفادة من أموال الزكاة.

و

تقرر أن تبدأ أعمال تصميم أول قمر صناعي إسلامي لرصد مطلع الشهور القمرية في مارس المقبل و ذلك حسبما أعلن د.علي عبد الرحمن رئيس جامعة القاهرة في مؤتمر صحفي بحضور د.علي جمعة مفتي الجمهورية، و أعضاء اللجنة العليا لإدارة مشروع القمر الصناعي و الإسلامي.

الخبر الأول يعني باختصار أن شيخ الأزهر غير مقتنع بالمثل القائل: إن تعطي الرجل سمكة تطعمة ليوم واحد، و إن تعطه سنارة تطعمه مدى الحياة.!

الخبر الثاني يذكرني بمهزلة استطلاع هلال رمضان كل عام، حينما تختلف الدول العربية في بداية الشهر و نهايته، إذ تُصِّر السعودية على الرؤية بالعين، و تتأرجح مصر بين اتباع السعودية أو اعتماد الحساب الفلكي حسب الظروف. المهم أن الحسابات الفلكية أوجدت جداول تبين مشارق و مغارب القمر و الشمس و كل الأجرام السماوية الأخرى بالدقيقة و الثانية لمئات السنين القادمة، و هو ما لم يكن متوفرا للمسلمين القدماء. و الأمر لا يحتاج لأقمار صناعية؛ بل إذا كانت الدول العربية تختلف هنا على الأرض، فماذا ستفعل عندما تنتقل المشكلة إلى الفضاء! إذا كان ابن باز قد أثبت عدم دوران الأرض، فماذا سيفعل أتباعه الآن!

هذا بالإضافة ما كتبه عمر العربي عن نفس الموضوع، جعلني أفكر:

هذه كلها أمثلة على سذاجة، بل عبط، بعض المشايخ المتمسكين بالحرفيات، عبدة النصوص..و بسببهم سيصبح المسلمون مثل اليهود الذين يعبدون التوراة مجازا، و يقدسون النص أكثر من تقديسهم ليهوه نفسه.

أمثلة أخرى: تحريم ارتداء الحرير و الذهب للرجال، اللذان كانا رمزا للرفاهية و الدعة قديما، و كذلك الأكل في أطباق الذهب و الفضة لأنه تكلف و إسراف لا داعي لهما، في الوقت الذي توجد فيه الآن من أنواع الملابس و الحلي ما هو أغلى من الذهب و الحرير، و مع هذا فجميعها حلال طبقا لحرفية النص لا روحه، لأن الهدف ليس تحديد خامات بعينها بل الامتناع عن الإسراف عموما. مع العلم بأني لا أرتدي الحرير و لا الحلي من أي نوع، و لم آكل في حياتي في غير أطباق الخزف و بغير شوكات و سكاكين الصلب.

من ناحية أخرى، فإن خبر أن مجمع البحوث الإسلامية أيد إباحة رمي الجمرات طوال أيام التشريق، و خلال ساعات الليل و النهار، نظرا للزحام الشديد الذي يحدث كل عام خلال أداء الحجاج لهذه الشعيرة، مما يترتب عليه ضرر كبير للضعفاء يؤدي إلى موت بعضهم. هو دليل على أهمية إعمال العقل الذي هو مصدر الفقه، أي الفهم.